الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

128

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

باهرة ، إلا إنهم يؤكدون على أن ما بقي خافي عليهم ، هو أكثر بكثير مما توصلوا لمعرفته ! وتشير الآية التالية إلى النباتات ، وما يخص غذاء الحيوانات منها : والذي أخرج المرعى . واستعمال كلمة أخرج فيه وصف جميل لعملية تكون النباتات ، حيث إنه يتضمن وجودها داخل الأرض فأخرجها الباري منها . ومما لا شك فيه إن التغذية الحيوانية هي مقدمة لتغذية الإنسان ، وبالنتيجة فإن فائدة عملية تغذية الحيوان تعود إلى الإنسان . ثم : فجعله غثاء أحوى . " الغثاء " : هو ما يطفح ويتفرق من النبات اليابس على سطح الماء الجاري ، ويطلق أيضا على ما يطفح على سطح القدر عند الطبخ ، ويستعمل كناية عن : كل ضائع ومفقود ، وجاء في الآية بمعنى : النبات اليابس المتراكم . " أحوى " : من ( الحوة ) - على زنة قوة - وهي شدة الخضرة ، أو شدة السواد ، وكلاهما من أصل واحد ، لأن الخضرة لو اشتدت قربت من السواد ، وجاء في الآية بمعنى : تجمع النبات اليابس وتراكمه حتى يتحول لونه تدريجيا إلى السواد . ويمكن أن يكون اختيار هذا التعبير في مقام بيان النعم الإلهية ، لأحد أسباب ثلاث : الأول : إن حال هذه النباتات يشير بشكل غير مباشر إلى فناء الدنيا ، لتكون دوما درسا وعبرة للإنسان ، فهي بعد أن تنمو وتخضر في الربيع ، شيئا فشيئا ستيبس وتموت بعد مرور الأيام عليها ، حتى يتحول جمالها الزاهي في فصل الربيع إلى سواد قاتم ، ولسان حالها يقول بعدم دوام الدنيا وانقضائها السريع . الثاني : إن النباتات اليابسة عندما تتراكم ، فستتحول بمرور الوقت إلى سماد طبيعي ، ليعطي الأرض القدرة اللازمة لإخراج نباتات جديدة أخرى